القاضي التنوخي

41

الفرج بعد الشدة

فلمّا رأوني رجعوا بخبري إلى أمير المؤمنين ، فانتهيت إلى الباب آخر النّهار ، فدخلت على الرّشيد ، فقبّلت [ 102 غ ] الأرض ، ووقفت بين يديه . فقال : هات ما عندك ، وإيّاك أن تغفل منه لفظة واحدة . فسقت [ 73 ظ ] إليه الحديث من أوّله ، حتّى انتهيت إلى ذكر الفاكهة والطّعام والغسل والطهور والبخور [ 73 م ] ، وما حدّثت به نفسي من امتناعه منّي ، والغضب يظهر في وجهه ويتزايد ، حتّى انتهيت إلى فراغ الأمويّ من الصّلاة ، وانفتاله ، وسؤاله عن سبب مقدمي ، ودفعي الكتاب إليه ، ومبادرته إلى إحضار ولده وأسبابه ، ويمينه أن لا يتبعه أحد منهم ، وصرفه إيّاهم ، ومدّ رجليه حتّى قيّدته ، فما زال [ 60 ر ] وجه الرّشيد يسفر . فلمّا انتهيت إلى ما خاطبني به في المحمل ، عند توبيخي إيّاه ، قال : صدق واللّه ، ما هذا إلّا رجل محسود على النّعمة ، مكذوب عليه ، ولقد آذيناه ، ولعمري لقد أزعجناه ، وروّعناه ، وروّعنا أهله ، فبادر بنزع قيوده عنه ، وائتني به . فخرجت ، فنزعت قيوده ، وأدخلته على الرّشيد ، فما هو إلّا أن رآه ، حتّى رأيت ماء الحياء يدور في وجه الرّشيد ، ودنا الأمويّ ، فسلّم بالخلافة ، ووقف ، فردّ عليه الرّشيد ردّا جميلا ، وأمره بالجلوس ، فجلس . وأقبل عليه الرّشيد ، ثم قال له : إنّه بلغنا عنك فضل همّة ، وأمور ، أحببنا معها أن نراك ، ونسمع كلامك ، ونحسن إليك ، فاذكر حوائجك . فأجاب الأموي جوابا جميلا ، وشكر ، ودعا ثمّ قال : أمّا حاجتي ، [ فما لي إلّا حاجة ] 10 واحدة . فقال : مقضيّة ، فما هي ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، تردّني إلى بلدي ، وأهلي ، وولدي . فقال : نحن نفعل ذلك ، ولكن سل ما تحتاج إليه من صلاح جاهك ومعاشك ، فإنّ مثلك لا يخلو أن يحتاج إلى شيء من هذا .